أحمد بن محمد ابن عربشاه

354

فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء

صاغيته « 1 » متبوع في حاشيته ، عادل في رعيته ، سيرته مشكورة ، ومحاسنه مأثورة ، وهيبته وبسالته غير منكورة ، وهو جار حسن الجوار لم يضبط عليه ما يقتضى انتزاع ملكه من يديه ، ولم يتعرض إلى متعلقاتنا ولا آذى أحدا في ولايتنا ، وإن مولانا السلطان لم يصدر منه إلا العدل والإحسان إلى الأباعد والأجانب ؛ فضلا عن الجيران ، لا سيما الملوك الأكابر ومن ورث الملك كابرا عن كابر ، ولقد تلقفت من أفواه الحكماء ، وتشنفت مسامعى من جواهر ألفاظ العلماء بثلاث نصائح هي من أحسن المنائح ؛ إحداها : احذر أيها الموفق أن تقع في دم بغير حق . ثانيتها : إياك يا ذا التوفيق وأموال الناس بغير طريق . ثالثتهما : إياك ذا الشيم الكريمة وهدم البيوت القديمة . واعلم أن الله تعالى عم رزقه ، وخص كل موجود بما يستحقه ، وقد أقام الأسد في تلك الأماكن وهو وإن كان متحركا فهو فيها ساكن ، ولو لم يستأهل لما اختص بتلك المناهل ، وما ينكر هذا إلا جاهل أو من هو على الحق ذاهل ، وحاشى أن تنسب يا رئيس الأخيار إلى حسد أو سوء جوار ، وعظمتك تأنف عن ذميم الأخلاق ، وكيف وقد انتشر بالفضل صيتها في الآفاق ، وإذا كان للشخص ما يكفيه فينبغي أن يقتصر عما يطغيه « ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه » « 2 » . وقد أحسن في المقال من قال : يا أحمد اقنع بالذي أوتيته * إن كنت لا ترضى لنفسك ذلّها واعلم بأن الله جلّ جلاله * لم يخلق الدنيا لأجلك كلّها فالتفت الملك إلى المدبر ، وأشار إليه كالمستخبر ما ذا تشير أيها الأخ والوزير ، فقال : جميع ما قرره مولانا الوزير حق ، وجملة ما ذكره وحرره صدق ، نصائح ترشد العقول وتزين عقود المعقول والمنقول ، ولكن لا يخفى

--> ( 1 ) الأهل . ( 2 ) الحديث أخرجه الترمذي : كتاب الزهد ، باب ( 11 ) ( 2317 ) وقال : حديث غريب .